الخميس، 26 فبراير 2026

ديوان قطار نكرة السلمان للشاعر / جعفر يونس العقاد



إشادة ومقدمة لديوان : ( قطار نكرة السلمان )
للشاعر والإعلامي العراقي جعفر يونس العقاد
 
إشادة ومقدمة / الدكتورة عبير حسن التميمي 

مقدمة :

( قطار نكرة السلمان ) 
هنا يكمن الصمود والصبر والعنفوان بكبرياء جبار . أسمٌ وعنوان له الكثير من التعاريف والمعاني ، بل له معطيات وبوابات تجذب المتلقي والقارئ بفضول ورغبة كبيرة ، وبطبيعة الحال ، 
يُعدُّ الشعر فعالية وجدانية حدسية غير مفاهيمية ، وتبعاً لذلك لا يمكن لمن يوهب القدرة على نظم الشعر ، وإبداعه ، أن يوهب القدرة على دراسته ، وتحليله ، ونقده ، وتمييز رديئه من جيده . ومنهم من يرى رأياً آخر ، فلا تحول القدرة على نظم الشعر دون القدرة على تحليله ونقده ، والمَيْز بين الغث منه والسمين . وحتى القدرة على التنظير له ، ولما ينبغي أن يكون عليه من حيث الشكل والفحوى . والشاعر  جعفر يونس العقاد ، هو شاعرّ كبير
حيث تروق لي خبرته وتجربته التي تدل على النضوج والوعي ، كما إن ردوده تدل على ذلك غالباً ما ...
يقول في إحدى قصائده ( الكواكبُ تسجدُ لكَ ) وهنا يكمن فيهِ حب الوطن وحب الارض والشعب ، فهو يفضل الحياة المرة في وطنه على الحياة الحلوة في بلدٍ اخر !.
وهنا يتضح معنى النضوج والحكمة التي يتوجب على الجميع ان يدركها ... 
تمثل هذه الظاهرة لدى جعفر يونس العقاد تجارب شعرية بالغة الأهمية أدبياً وعلمياً ودينياً وسياسياً ، ولكنها لا تجد رواجاً ولا تأثير لها ، لا على صعيد نقد ناقد ، ولا  قراءة قارئ يدرك محتواها وفحواها ومضمونها ، مع أننا نصادف بها في زمنها لدى أصحاب مستويات فكرية رفيعة . ومن جانب آخر هناك تجارب شعرية أقل أهمية ، بل ومتدنية ، تواصل حضورها بإلحاح لافت للنظر على كلا الصعيدين ؛ النقد والقراءة على نطاق واسع . ولكل واحد من هذين النوعين من التجارب مساره في الحياة الثقافية ، فالأول يبتعد ويغرق في عتمة الماضي ، بينما يشقّ الثاني طريقه إلى أضواء المستقبل . بالطبع تحدث أحياناً اختراقات ، فنجد شعراء من النوع الأول يعودون من المستقبل حين تخرجهم وضعية ثقافية ناهضة من النسيان كمن يستخرج تمثالاً من المرمر من التراب فيطلع بكامل بهائه أمام الأنظار والأفهام المبهورة ، ونجد شعراء من النوع الثاني يرحلون ، في غفلة من عالم الثقافة على الأغلب ، إلى الماضي ، وتتراكم عليهم أتربة النسيان ، وينساهم الحاضر والمستقبل على حد سواء . وقصيدة جعفر يونس العقاد الأخرى بعنوان : ( نحيب أهل سومر ) هو يواسي بلده والشعب الجريح وهو فيها
أي إنه يواسي نفسه بنفسه ! وهنا تكمن الحكمة والنضوج والقوة والجبروت والوعي لدى الشاعر كما اسلفنا .

ونجد في قصيدته الأخرى بعنوان
 ( أنا القادمُ  )
لا يمكننا ان نقول إننا بين إنسان ونص بعيداً عن تأثير مستمعين يستعبدهم أُفق محدَّد ، وليس للهتاف به من على المنابر . هذا الأخير الغالب على الساحة الشعرية هو سليل شعر القوالب ، شعر مخاطبة  " أُفق " القارئ ، أو المجموع ، الضامن للشهرة والمجد والمال . حين يكون الخروج ، لا يجد القارئ ما يعينه ، لأن ذاكرته المقولبة لا تستطيع التعامل مع العالم إلا بوساطة القوالب ، ومن دونها سيشعر بالضياع ، بأن الأرض انسحبت من تحت قدميهِ ، تماماً  كما يعجز صانع الطابوق عن صناعة طابوقة واحدة إذا أخذتَ منه القالب . وتحضرني هنا تجربة
 جعفر يونس العقاد الشاعر الرائع حقاً
لانه عاتب وبنفس الوقت استنكر ، ثم وضح واقع لا يُلام عليه
ألا وهو الواقع الذي جعل الكثير من العرب رعاة للغرب !.
وتخلوّا عن قيم ومبادئ الإسلام والعروبة . 
وفي هذا الديوان نجد كل قصيدة لها قصة وحكاية تروي واقع لا يتجزأ منا ولا يبتعد ، ولا يختلف عنا .
إن الشاعر جعفر يونس العقاد ،  كأن الشعر بالنسبة له كما يراه قضية وجود وحياة ، وبدونه ينتفي هذا الوجود أو على الأقل يقع ويفسد ، مضيفاً :


أنا أوّلُ حرفٍ
سُطِّرَ في سِفْرِ التاريخ،
وأوّلُ بيتِ شعرٍ
مخطوطٌ
على الرُّقُمِ الطينيّة!

فقد عشت بقوة الشعر والحياة .
نعم هذا هو الشاعر العراقي جعفر يونس العقاد 
هو إنساناً طيباً كريماً صادقاً عفوياً صريحاً مهذبا
كما إنه المثقف والواعي بفكرهِ وعقليته وتمييزه بين شتى الأمور والأشكال .

كما  إن العلاقة بين التراث والمعاصرة في الفكر النقدي  شأن كثير من المتقابلات  ليست علاقة عداء أو قطيعة او مديح او حيادية ، ولن تكون ، ولا ينبغي أن تكون ،
 وإن الوسطية التي نحملها منهجاً ثابتاً في كل مناحي حياتنا ، ونجعل منها ميزاناً دقيقاً نزن بها أمورنا كلها ، إنما هي منهج ثابت ننطلق منه في كل جوانب حياتنا العلمية والفكرية والفلسفية والتطبيقية ، لا نحيد عن هذا المنهج قيد أنملة ، فقد قالوا : لكل شيء طرفان ووسط ، فإن أنت أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر واختل توازنه ، وإن أنت أمسكت بالوسط استقام لك الطرفان ، ونحن مستمسكون بهذا الوسط وتلك الوسطية ، لا إفراط ولا تفريط ولا غلو
 ولا تقصير .

وفي الخاتمة
نبارك له صدور ديوانه وقصائده إلى النور من قبل
 منتدى الشعراء والكتاب والمثقفين العرب
نتمنى له التوفيق ودوام التألق والإبداع والتفوق
مع كل التحايا والتقدير والود والإحترام

توقيع / الدكتورة عبير حسن التميمي
بإدارة الشاعر / أسامة الدعمي 

___-___-___-___-___-___-___

                   _ 1 _

         قِطارُ نَكْرَةِ السَّلْمَانِ


مَرَّتْ أُمْنِيّاتِي
كَطَيْفٍ عابِرٍ
فَلَمْ وَلَنْ تَأْتِي
تِلْكَ الأُمْنِيّاتُ المُؤَجَّلَةُ

كَغَريبٍ في وَحْشَةِ الطَّريقِ
يَسيرُ في رَصيفٍ حائِرٍ

أَدْمَنْتُ ثَقافَةَ الخُذْلانِ
في صَمْتِي الرَّهِيبِ
وَحَظِّي العاثِرِ

سُجونُ الأَمْسِ
كانَتْ عُنْوانَ النِّضالِ
وَلَمْ أَرَ سَجيناً
في نَكْرَةِ السَّلْمَانِ
غَيْرَ ثائِرٍ

مَلاحِمُ حُبِّ الوَطَنِ
في وَهْجِ قَصائِدِهِمْ
مِنَ النَّوّابِ لِناظِمٍ
مِنْ زُهَيْرٍ لِعُرْيانَ

تَوَشَّمْتُ بِقَصائِدِهِمْ
أَحْلَى الدَّفاتِرِ

كانَ قِطارُ نَكْرَةِ السَّلْمَانِ
لا يَحْمِلُ المُسافِرينَ
العابِرينَ
وَلا يَبْحَثُ عَنْ بَيْعِ تَذاكِرَ

كانَ عُنْوانَ الرُّجولَةِ
وَفَخْرَ شَعْبٍ
بِأَصْواتِ شاعِرٍ

وَفي نِهايَةِ المَطافِ
كانَتِ المَنافِي
مَلاذاً لِلهارِبينَ

وَخَيْبَةُ العِشْقِ
في شَناشِيلِ ابْنَةِ الجَلَبيِّ
وَشُحُّ الأَمطارِ
في بَصْرَةِ السِّيّابِ
وَشَوْقُ كاظِمِ الحَجّاجِ
بِصَوْتِهِ الهادِرِ

عَلى ذلِكَ الرُّكْنِ المَنْسِيِّ
في أَحْلامِنا المَقْهورَةِ

كِتابٌ مِنْ رائِحَةِ الأَمْسِ
وَبَيْتُ شِعْرٍ لِلدُّجَيْليِّ:

يا صَوْتَ العِراقِ
بِكُلِّ سِجْنٍ مَسْجُونٍ
وَيا كَمَرَهِ التِّطْلَعَهْ

___-___-___-___-___-___-___

                   _ 2 _

                هذا العالم 

أشبه مايكون 
بحفلة تنكرية 
دسائس  
وحروب عبثية 
ويد ناعمة 
تمتد إلى عقول الاغبياء 
ليكونوا قادة 
لثورة مزيفة 
باسم الحرية 
هذا العالم صفيح ساخن 
والارعن الدجال 
الأعور الدجال 
يمسك العالم 
بعصا سحرية 
من يخرج عن طاعتي 
سنسقطه بليلة وضحاها 
ويكون الرئيس 
اسيرا 
كأننا امام عرض مسرحية
هذا العالم 
تحت قيادة المجنون 
كأنه من نسل فرعون 
مغامر وقبيح 
وممثل يجيد 
ان يلبس الادوار الرخيصة 
 مناور 
خداع لايؤتمن 
يعادي كل شريف 
ويمدح كل طاغية 
ونطيحةهذا العالم 
أشبه مايكون 
بحفلة تنكرية 
دسائس  
وحروب عبثية 
ويد ناعمة 
تمتد إلى عقول الاغبياء 
ليكونوا قادة 
لثورة مزيفة 
باسم الحرية 
هذا العالم صفيح ساخن 
والارعن الدجال 
الأعور الدجال 
يمسك العالم 
بعصا سحرية 
من يخرج عن طاعتي 
سنسقطه بليلة وضحاها 
ويكون الرئيس 
اسيرا 
كأننا امام عرض مسرحية
هذا العالم 
تحت قيادة المجنون 
كأنه من نسل فرعون 
مغامر وقبيح 
وممثل يجيد 
ان يلبس الادوار الرخيصة 
 مناور 
خداع لايؤتمن 
يعادي كل شريف 
ويمدح كل طاغية 
ونطيحةحين تحتاجُ
إلى وطنٍ،
أبصِرْ بعيدًا
لِتَرى الأوطانْ،
لا فرقَ بينَ
رابيةٍ ورابيةٍ،
وخَلفَ كلِّ حدودٍ
سجّانٌ يَحرُسُ سجّانْ.

في طُفولتي،
تحمّلتُ أعباءَ الحياةِ،
كُنتُ أتأمّلُ في المرآةِ
كيفَ تَهرولُ سِنينُ عُمري،
وكيفَ أرفعُ عن كاهلِ أُسرتي
الكبيرةِ بعضَ المهامْ.

لكنَّ السِّياسةَ القذِرةَ،
والفارسَ المقدامَ،
كانا بالمرصادِ
لكلِّ أحلامي،
لأكونَ تحتَ رحمةِ الجلّادِ،
وتَحتَ شَفرةِ الأقلامْ.

كنتُ مُتّهَماً
دونَ جريمةٍ،
وكلُّ ذنبي
أنَّ أخوالي
كانوا ضدَّ النظامْ.

وحملتُ الوزرَ طِفلًا
بينَ كَتبةِ التقاريرِ،
ومَن يُمجّدونَ الأصنامْ.
وكانتْ قصائدُ النُّوّابِ
نتداولُها
كمَنشورٍ سرّيٍّ،
محكومٍ مُسبقًا
عليهِ بالإعدامْ.

يا زمانَ الأمسِ،
يا زمانَ الحديدِ والنّارِ،
كُنّا نَسيرُ مثلَ القطيعِ،
تَحتَ قَسوةِ السّجّانْ.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 3 _

                أنا القادمُ

من خارجِ أسوارِ البلاط
إلى كُرسيِّ الخِلافة!

أنا القادمُ
من حَريقِ الأشواق،
لا أستجدي عَطفَكِ،
ولا أبحثُ
عن مضافة...

أنا وريثُ سُومرَ وأكّد،
وملامحي الجنوبيّةُ
جاءتْ إليكِ
بقطارِ الثقافة...

أنا أوّلُ حرفٍ
سُطِّرَ في سِفْرِ التاريخ،
وأوّلُ بيتِ شعرٍ
مخطوطٌ
على الرُّقُمِ الطينيّة!

فأنا إذن
أوْلى مِنكِ بالوِراثة،
يا مَن
دعَتْني من خارجِ الأسوار
إلى كُرسيِّ الخِلافة...

حُبُّكِ
أسطورةٌ من أساطيرِ الإغريق،
وحكايةٌ
لا يُصدّقُها رجلٌ مَجنون،

فغدَتْ
مثلَ الخُرافة...

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 4 _

            قصيدة الحسين

من نورِ جبينِك الطاهرِ،
يَنبثقُ الضِّياءُ،
إليكَ تَطوفُ الملايينُ،
يا قِبلةَ الشُّهداءِ.

لولاكَ ما ثبَتَ الدِّينُ
في أُمَّتي،
ولا استقامَتْ فيها
عباداتُ السَّماءِ.

يا سيِّدَ الأرضِ،
الأرضُ تبكي بَلاءَها،
فمن غيرُكَ، يا حُسينُ،
يُلبِّي النِّداءَ؟

من عهدِ موسى
إلى عيسى،
إلى محمَّدٍ خاتمِ الأنبياءِ،
جُمعَ البَلاءُ بَلاؤهُ،
وصرختْ في الكونِ كربلاءُ.

يا قَمَرًا هَوَى
بينَ يَديكَ، يا سيِّدي،
فاختلطَ الدَّمعُ بالدَّمِ بالعِناقِ،
علِّمِ الصَّبرَ كيفَ يَصبِرُ،
يا صبرَ الحُسينِ
على حالٍ لا يُطاقُ.

على مَن يهونُ هذا الدَّمُ؟
دمُ الحُسينِ
يا أزكى دمٍ
على الأرضِ يُراقُ.

يا ثورةً، يا صرخةً
يُردِّدُها الثُّوَّارُ
تَرنيمةً ونَشيدًا.

تَسلَّطَ المارقونَ
حولَ رِقابِنا،
وكبَّلونا بسَلاسِلَ
من حديدٍ.

أرادوا أن يُصادِروا
ثورةَ الحُسينِ،
بألفِ حَجَّاجٍ
وألفِ يَزيدَ.

سلامٌ على العِراقِ
يَحتضِنُ الحُسينَ،
سلامٌ على الحُسينِ
يَحمي العِراقَ.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 5 _

       قصيدة ميخائيل نعيمة 

ميخائيل نعيمة 
فاريا 
في نهايةِ المطافِ،
تَرَكَ وَصيَّتَهُ:
"اتركوا بابَ الضريحِ
لها مفتوحًا،
علَّها تَصِلُ..."

ميخائيل،
أيُّها الجَميلُ الكَهْلُ،
ماذا صَنعتَ
بسنواتِ عُمرِكَ العِجافِ؟
أضَعتَ مِفتاحَ الدُّنيا،
لا يَنفعُ أن يكونَ
بيدِكَ القُفلُ.

سرُّ أسرارِكَ
هناك،
عندَ فاريا الحَسْناء،
عندَ ربيعٍ
مُعطَّرٍ بشِفاهٍ
تُشبهُ الكَرَزَ،
وبرُضابٍ
سالَ لُعابي لهَا.

يا وَيحَكِ، يا فاريا!
نَشوَتي عندَ اللِّقاء
لم تَكتَمِلْ،
أشدُّ جُرحي
على عُنقِ البياضِ،
وتَعزِفُ النَّايَاتُ
عَزفَ النَّاحِباتِ،
في خَيبَةِ الدَّهشَةِ
مِن عَودةِ حُلمٍ
مَرَّ سَحابةً وارتحلَ.

فاريا،
أيَّتُها الحَسْناء،
كَم عَقدًا من الزَّمانِ مَرَّ؟
انتهى عصرُ المماليكِ في مِصرَ،
وأحِنُّ لزَمانِ القَيصرِ
أنْ يعودَ ثانيةً.

كَمْ لَبِثنَا؟
مِن فِراقٍ،
مِن عِناقٍ،
مِن كَأسِ نَدَامَةٍ،
كُنتُ نَدِيمَ هَواكِ،
وإلى الآنَ...
أنا ثَمِلُ!

أيَّتها الشِّفاهُ
التي تُشبهُ الفودكا الرُّوسيَّةَ،
مُعتَّقةٌ
بلَونِ أحلامي،
عندَ عَصرةِ الرُّوحِ،
تَحتَ البَردِ
وحرارةِ القُبَلِ.

إنِّي مَفتونٌ بكِ،
وأعلَمُ أنَّ رَسائلَ الشَّوقِ
في زمني خَائبَةٌ
وَلَمْ تَصِلْ.

وأعلَمُ أنَّ الرُّوحَ
بجُناحِ الغَمامِ تُسافرُ،
كَفَراشَةٍ تَحمِلُ أحلامي،
تَحُطُّ على رَحيقِ زَهرِكِ،
وتَندُبُ أيَّامي.

فاريا،
يا جُرحَ كُلِّ أعوامي،
أبحرتُ أربعينَ عامًا،
بَينَ مُدُنِ النِّساءِ،
أُفَتِّشُ
عن عِطرِكِ،
عن رَقصَةِ الدُّبِّ الحَزينِ،
حينَ يُهدُّهُ الحُزنُ والإعْيَاءُ،
حينَ تُخذِلُهُ مَعاوِلُ التَّهْديمِ،
ويَصرُخُ صَرخةَ المَذبوحِ،
صَرخةَ الطَّيرِ،
يُكابرُ... يُحاولُ البقاءَ.

وها هُنا،
حَتَّى وإنْ مِتُّ،
فَضَريحي يَنشُدُ اللِّقاءَ.

فاريا،
أيَّتُها الجَميلَةُ الحَسْناء،
سلامٌ لَكِ،
من ميخائيل،
يَليقُ بِكِ
في لَحظةِ الوَداعِ والرَّحيلِ.

فاريا،
سلامٌ لِعَينيكِ،
لِجِيدِكِ
الذي يَهْوى العِناقَ والتَّقبيلَ.

الشاعر: جعفر يونس العقاد
إلى حبيبةِ ميخائيل نُعَيمَةَ... فاريا الحَسْناء.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 6 _

                 المنفى


أَبحَثُ
عن وَطَنٍ
وسطَ أكوامِ الحَجَرِ
وبَقايا الحيطانْ،
أَبحَثُ عن
سَبّورَةٍ مرميّةٍ
فوقَ أكوامِ الحَجَرْ،
فيها
حُروفٌ خَطَّها وَلَدي:
"دارٌ، دارانْ... نارٌ، نيرانْ..."

أبدًا
لم يَكنْ في الحُسبانْ
أن نَرسمَ وَطنًا
بِدَمعِ الأحزانْ...

أبحَثُ عن وَطَنٍ
يَؤويني،
يَحميني
مِن ظُلمِ الإنسانْ،
فالطُّيورُ
قد فَرَّتْ
مِن بِلادي،
تَبحَثُ عن مَلاذٍ آمنْ،
تَبحَثُ عن أَمانْ...

وأنا،
وسطَ زَفيرِ اليأسِ،
ما زلتُ
بينَ المِطرَقةِ
والسِّندانْ...

حبيبتي،
رَسَمتُكِ
على جِذعِ نَخلةٍ،
وَطنًا
يَأبى الرّحيل،
ويُقاومُ صَدى النسيانْ...

لكن يا وَلدي،
أبدًا لم يَكن
في الحُسبانْ،
أن نَرسمَ وَطنًا
بِلَونِ الكُحلِ،
وبِدَمعِ الأحزانْ...

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 7 _

           نحيب أهل سومر 


توارثْنا بُكاءَ أهلِ سومرَ،
ونحيبَ الجنوبِ،
ولَهفةَ البَرْديِّ والقَصَبِ
للماءِ.
توارثْنا الحُبَّ
من حَليبِ أُمَّهاتِنا،
مُطعَّمًا بحبِّ الأرضِ،
رُغمَ قَسوةِ الجلَّادِ
ومِحنةِ القدرِ.

كُنَّا بَراعمَ
ستَزهِرُ ذاتَ يومٍ،
وحينَ شَحَّ الماءُ،
دموعُ أُمَّهاتِنا
كانتْ قَطْرًا،
وكانتْ رحمةَ السَّماءِ
بينَ الغَمامِ.
فتارةً رَعدٌ وبَرقٌ،
وفي رَمشةِ عينٍ
جاء الغَيثُ
من السَّماءِ،
فكانتْ أُولى الحضاراتِ
موعودةً بالخِصْبِ والنَّماءِ
ونعمةِ المَطَرِ.

أعودُ إلى محطَّةِ انتظاري،
في رَصيفِ الأمنياتِ العابرةِ
التي ماتَ فيها الشَّغَفُ،
لم تَعدِ الذِّكرياتُ هاجسي،
ولم تَعدْ كلماتي
مُطَرَّزةً بالأسَفِ.

أيُّها الزَّمنُ العابرُ
دونَ رحمةٍ،
لَيتكَ كنتَ مُنصِفًا،
فلا أنا هناكَ،
ولا أنتَ هنا،
تَركتَنا عندَ المُنتَصفِ.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 8 _

"آخرُ شُهَداءِ الطفِّ (الهَفْهافُ بن المُهَلَّب الراسبي)"

وحيداً قَدِمتَ،
أيُّها الهَفْهافُ بن المُهَلَّب،
باردٌ، تهبُّ فيهِ الرِّيحُ،
فيُسمَعُ فيهِ
صوتُ هُبوبِها...

اسمٌ على مُسمّى،
أيُّها الهَفْهاف،
أشهرتَ سيفكَ
كاللّيثِ المُغضَب،
وإن كنتَ
آخرَ الواصلينَ
لنُصرةِ الحُسين.

أسْرَجْتَ المَنايا
في الطُّفوف،
وبأُمّ عينيْكَ
رأيتَ الضّحايا
كيف تُصلَب...

وأشهرتَ سيفكَ للنّوائب،
وخيامُ بناتِ النبيِّ
تُحرَق وتُسْلَب...

وإن كنتَ آخرَ النّاصرين
في جُموعٍ
ليسَ فيهم ناصرٌ
للحُسين...

فهذا ابنُ سعدٍ
يحلمُ بحُكمِ "الرّيّ"،
وذاكَ يزيدُ
بينَ القُرودِ
يَلهو ويَلعَب...

وجسدٌ مُسجّى بالرِّماح،
ثلاثون طعنةً،
وثلاثون سهمًا،
بجسدِ الحُسين يُضرَب!

لم يَسلَمِ الحُسينُ
بمَوتِهِ،
صريعٌ...
يُقطَعُ إصبَعُه،
ويُسْلَب...

وكنتَ كالنّسيم،
هبَّ هَواكَ
لخيامِ زينب...

وحيداً،
حينَ عادَ صوتُ صليلِ السيوف،
كأنَّ معركةً تدور،
كأنَّ ريحَ الحُسين
بلسمٌ لكلِّ جراحِكَ...

فأيُّ نسيمٍ
هَواهُ كَهَوى الحُسين؟
وأعذَب!

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 9 _

              قَطِيعٌ سِياسِيّ

قَطِيعٌ...
كَالمَاشِيَةِ وَالأَغْنَامِ،
يَقُودُنَا حِمَارٌ
وَكُنَّا مَعْصُوبِي الأَعْيُنِ،
لَا نُفَرِّقُ فِي يَوْمِنَا
حِصَّةَ اللَّيْلِ
مِنَ النَّهَارِ...

كَانَتْ أَحْلَامُنَا عَارِيَةً،
تَغَطَّتْ بِثَوْبِ الغَمَامِ،
وَكُنَّا نَسِيرُ
خَلْفَ "القَائِدِ الأَوْحَدِ"،
خَلْفَ "بَطَلٍ"
مِن وَرَقٍ،
يُكْنَى جُزَافًا:
الأَسَدُ المُغْوَارُ

وَصَحَوْنَا
مِنْ "حُلُمِنَا اليَعْرُبِيِّ"،
وَمِنْ أَنَاشِيدِ
الحِزْبِ الوَاحِدِ
وَالرَّئِيسِ الهَارِبِ المُغْوَارِ...

أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا
بَيْنَ يَدَي المَغُولِ تَارَةً،
وَتَارَةً
بَيْنَ الرُّوسِ وَالأَتْرَاكِ
فِي لُعْبَةِ تَبَادُلِ الأَدْوَارِ!

فَلَمْ تَعُدْ غَزَّةُ
سِوَى بَقَايَا أَطْلَالٍ،
تَحْتَ وَابِلِ القَصْفِ،
وَجَحِيمِ الجُوعِ
وَالنَّارِ...

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 10 _

             يا سيّدَ الأحرار

سلامٌ على الترابِ
الذي عانقَ دمَك،
عانقتَ المنايا،
وكنتَ سخيًّا بعطاياك،
فما أكرمَك!

وهبتَ كلَّ خافقٍ بين الحنايا والوتين،
وغبارُ خيولِهم لم يُرهبْك.

يا عمامةً تليقُ بك،
العمامةُ السوداء،
يا مِشعلَ الثورات،
يا مُلهِمَ الأحرار،
هزمتَ الموتَ،
ولم يستطعِ الموتُ أن يهزمَك.

أسرجتَ خيولَكَ للنائبات،
وقوافلَ الهاشميّات،
أمضتْ للمنايا،
وحوافرُ خيولِ العِدا،
وصوتُ صليلِ السيوفِ لم يمنعْك.

كشفتَ اللثامَ عن كلِّ شائبة،
والمواثيقُ التي كانت تُناديك،
ها هي اليومَ تخذلك،
أشباهُ الرجالِ لا يُؤتَمنون،
ونَفَرٌ قليلٌ، يا حسينُ، يتبعُك.

يا سيّدَ الأحرار، ما أروعَك!
يحنُّ إليك الفؤادُ،
وفي قلبِ كلِّ مؤمنٍ جمرةٌ لا تنطفي
بذكرى مقتلك.

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 11 _

     يا حزنَ أيوبَ في محنته،

لم يُبْدِ للناس شكواهُ،
وإن مسَّه الضرر...
في ليلةٍ من ليالي الخريف
بكيتُ...
على هذا الزمن الأغبر،
بكيتُ...
حتى تناثر البكاء حروفا
 على  الدفتر.

وكم خريفٍ مضى،
وكم خُطىً
تاهتْ بلا أثر!

الصمتُ يخنق أنفاسي،
في لهفتي،
في حيرتي،
عند الانكسار،
وفي لحظة الضجر.

يا ليالي الخريف،
يا عواصف أيلولَ وتشرين،
ويا موسمَ الانطفاء،
وتساقط الشجر...

يا حزنَ أيوبَ في محنته،
لم يُبْدِ للناس شكواهُ،
وإن مسَّه الضرر...


___-___-___-___-___-___-___

                  _ 12 _

               تَعوي الرّوحُ

إنْ مَسَّها الضُّرُّ، فكيفَ؟
إنْ كنتَ تَنوي الرَّحيلا؟
وشَوقٌ يتأرجَحُ
على شَفرةِ حُفرةٍ
مِن نارِ قِيلَا...

كَفكفتُ دَمعي بِيَدي،
وكَظَمتُ غَيظَك،
وأهديتُكَ عُمري قَندِيلا.
أنا المُتَيَّمُ فيكَ،
على مَرِّ العُصورِ،
لم يَجنِ العُشّاقُ وَردًا،
والشُّعراءُ ما سَلِموا
مِن التَّنكِيلا
لا خيرَ بودِّ امرِئٍ
لا يَموتُ بودِّه.
والمواقِفُ تَصهَرُ النّاسَ،
قَصُرَ الطَّريقُ
أم كانَ طَويلا؟

مُتَيَّمًا
في بِلادِ اليَتِيمِ والأحزانِ،
وأنتَ الضَّوءُ
في كُلِّ عُتمةٍ،
ولَيسَ لي سِواكَ سَبِيلا.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 13 _

               قبل أن تنام 
تذكر 
أن الله لاينام 
وان هناك 
شعب يرزح 
بين السلة والذلة 
كطير حمام 
وان هناك 
سجونا تعج بالمساجين 
حين صادروا 
حرية الكلام 
وان أزيز الرصاص 
لايفزع الطيور وحدها 
فكم كان الرصاص 
جبانا 
بيد زنادقة الحكام 
وهناك في الجانب 
الآخر 
شعب صائم من الجوع 
على مدار العام 
وان هند بنت المهلب 
استبدلت الدرهم بدينار 
وكان لها ماارادت 
خلعت الحجاج 
ليعلوا بها المقام 
فرق شاسع 
بين من يحفر بئرا 
بأبرة 
وبين من يعصر الماء 
من الغمام 
فرق شاسع 
أن ندعي الحرية 
ونحن في عصر الظلام 
فكل ماحولنا 
من قصص الحب 
خرافة 
وأساطير الأوليين 
أوهام 
أبحث عنك 
بين طيات الكتب 
لأنك امرأة على 
ورق 
كلوحة مذهلة 
بأنامل رسام 
وحين انزوي 
بصومعتي السومرية 
كفرس رهان خاسر 
أو كطير حمام 
أتبعه الترحال 
في مدن النساء المنسية 
فرق شاسع 
أن تجاهر بالحب 
أو يبقى الحب محجورا 
في جنح الظلام 
كأنه شفرة سرية
فنحن 
في زمن عاثر 
وفي ريح هوجاء 
وأقوم بربرية 
فالليلة 
حين يسدل الليل ستاره 
سأمزق كل أوراقي 
وسأنفذ حكم الإعدام 
بكل بقايا الكلام 
 
___-___-___-___-___-___-___

                 _ 14 _

          على جناح الطير 

وحدهُ المطرُ
يُغازلُ صمتَ قصائدي،
ويُبدِّدُ عُزلتي.

أفرشُ قلبي
على جناحِ الطير،
لعلَّهُ يُحلِّقُ
بآخرِ أُمنياتي.

وأنا أعلمُ علمَ اليقين
أنَّ نصيبي كنصيبِ الطير
في آخرِ محطّاتي.

أشعلتُ سنينَ عمري
شموعًا لميلادِهم،
ولم يقرأْ أحدُهم
حجمَ مأساتي.

عيونُهم تَقدَحُ شوقًا
لصوتِ المطر،
ورائحةُ الأرضِ تفوحُ
عِطرًا بذكرياتي.

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 15 _

             كسَعف النخيل

يرتجف خافقي حين يراكِ،
فالذي خلقَ العيونَ السُّود
يا فاوُ…
لم يخلق سواكِ.

يا بوابةَ الشوق،
ويا مدينةَ الملح،
ويا سرَّ اللهِ
المودَعِ في بهائكِ.

يا أنيسةَ الروح،
ويا بوابةَ الأمل،
يطربُ الفؤادُ
يومَ لُقياكِ.

يا خزينةَ الله
التي حفظت كبرياءَ العراق،
وكنتِ رغيفَ خبزِه
حين اشتدَّ الجوع.

سَدَّدَ اللهُ خطاكِ
يا رحلةَ السيّاب
في سفرِ أيوب،
في زهوِ القصيد
وطَعمِ الرُّطَب
من حلاوةِ البصرة.

يهتزُّ سعفُ النخيل،
ورغمَ ملوحةِ الماء
لم أرَ عذوبةً
كعذوبةِ الناس
في البصرة،
ولا لسانًا
كلسانِها العذب.

يا إطلالةً
من دُرٍّ وذهب،
سكونُكِ
يُثيرُ في خافقي العجب.

قلبي مثلكِ
يا شطَّ العرب،
يبكي غربتَه
في موانئِ الذهب.

أمثلُ السيّاب
حين يحملُ همومَه،
ويصيرُ مثلَ القَصَب
ينحني…
لا ينكسر…
وفي عنفوانه ألف سبب.

حين يفتحُ البحرُ ذراعيه،
وينشدُ السيّابُ في غربته:
الشمسُ في بلادي
أجملُ من سواها
نعودُ إلى بصرةِ العشّاق،
لتَمتلئَ سِلّةُ العراق
بذهبِ معادنها.

في الفاوِ
رائحةُ الملحِ
وحلاوةُ طعمِ البرحي،
وفي البصرةِ
عطرُ التاريخ،
وخطواتُ البحّارة،
وأنينُ المواويل
على ضفافِ شطِّ العرب.

يا فاواً تتوضأُ بالموج،
يا بصرةً تتزيّنُ بالنخيل،
أنتما نبضُ العراق
حين يشتدُّ عليه التعب.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 16 _

         الكواكبُ تسجدُ لكَ

وأنتَ أرضُ الرسالاتِ.

الشمسُ هاهنا…
شمسُكَ أنتَ.

يا جبلَ الصبرِ،
ويا جبلًا من الرزايا،
تطاولَ الأعرابُ عليكَ
من كلِّ صوبٍ وحدبٍ،
كي ينهشوا عُشَّكَ.

فكيفَ — يا سيّدَ الدنيا —
وأنتَ العراق،
وفيكَ الوصيُّ،
وسبطُ النبيِّ،
تلوذُ بكَ العواصفُ،
وتحتمي بسدِّكَ،
كأنَّ أسوارَ عليٍّ
طوقُ نجاة،
وأسوارَ الحسينِ
سورُ صدقٍ وإباء؟

فكيفَ — يا عراق —
يرتجفُ جفنُكَ
وأنتَ ترى السفهاءَ يتسابقون،
كأنّكَ وليمةٌ
وقد حانَ موعدُ نهشِكَ؟

حتى الذينَ يتاجرونَ
باسمِ اللهِ
اصطفّوا مع أعدائكَ،
ليُطلقوا الرصاصَ،
ويمشوا في تشييعِ
نعشِكَ.

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 17 _

           هم علّموني البكاء

هم علّموني البكاء
منذُ طفولتي،
وودّعتُ أحبّتي
بصمتٍ
خوفًا من الجلّاد
الذي كان يقبض
أرواحَ المعارضين
بكلِّ مكرٍ ودهاء.

كنّا نتنفّس الشوقَ
لوعةً،
وكانت منازلُنا
خيمة،
وكان الصمتُ
لنا انزواء.

وحتى الحمام
ما عاد يُطربُنا
سوى صوتِ هديله
الذي يشبه
النعيَّ
حدَّ البكاء.

حين ألمحُ
صوتَ الحنينِ والأسى
في نبرةِ الغناء،
أدركُ
أن ليس كلَّ ما نسمعه
نداء.

وحين تلامسُ الأوتارُ
أنينَ الروح
دون عناء،
وتُبحرُ بنا الكلماتُ
نحو عالمِ
الطُّهرِ والنقاء،

ينسكبُ الدمعُ
في لحظةِ الوجد
لأرواحٍ
ما عادَ لها لقاء،
فينهمرُ الحنينُ
وسط قساوةِ الحياة
وخذلانِ الأصدقاء.

يا وطنًا
يُسافرُ بي
كلَّ صباح،
بذكرِ الله
عبر إشراقةِ بغداد،
وصوتِ فيروز
وهي تُغنّي
«بغداد والشعراء والصور»،
تُلهمني
الكبرياء.

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 18 _

       بابُ المدينةِ المحمديّة

ما الزُّمُرُّدُ ما الياقوتُ،
ما الزَّبَرْجَدُ ما الذَّهَبْ،
وقُبَّةٌ فوقَ المناراتِ
تُغازِلُ الشَّمسَ في عُلُوِّها،
مدينةُ العِلمِ…
سلامٌ من الرَّحمنِ حينَ تدخلُها،
ووصيّةُ النَّبيِّ حينَ قالَها:
أنا مدينةُ العِلمِ،
وعليٌّ بابُها.

قُبَّةٌ فوقَ القِبابِ تَلْمَعُ،
من كلِّ الجهاتِ ذهبْ.

يا فتى المسلمين،
مَنِ افْتَدى النَّبيَّ
وكان صدرُه للموتِ رَحْبْ،
ويا سيفًا إذا التحمتِ السيوفُ،
يا ذا الفِقار،
يا فخرَ أُمَّةٍ،
وفخرَ العَجَمِ والعَرَبْ.

يا أبا الشهداءِ،
وأنتَ الشَّهيدُ في محرابِكَ،
ساجدٌ للهِ
والدَّمُ مُنسكِبْ،
وعينُكَ على ذاكَ المُجرِمِ
تفيضُ رحمةً…
لا انتقامْ،
وتأمُرُ قاتِلَكَ:
أنْ يأكلَ ويشربْ.

فكم كنتَ عظيمًا
حتّى مع مَن قتلوك،
وكم كنتَ ميزانًا للعدالةِ
لا يَنْضَبْ،
وكم كنتَ مُلهِمًا لمُحبّيك
على مدارِ الأزمنةِ،
جيلًا بعدَ جيلْ،
يزدادُ حبُّكَ
ولا يحتجبْ.

أطفالُنا يُمسكونَ
سورَ الضَّريحِ،
يَلهجونَ باسمِكَ،
ويبتسمونْ.

يا آيةً من آياتِ الرَّحمن،
تباركَ اسمُكَ يا عليّ،
وليغضبْ من يغضبْ.

يا صاحبَ الشِّدّات،
يا سيّدي،
هكذا شيبٌ وشبابٌ
ونساءٌ تندبْ.

لا فتى إلّا عليّ،
ولا سيفَ إلّا ذو الفقار.

يا أعذبَ من ماءِ الفُرات،
ويا أجملَ ما سطَّرَ الأعرابُ
وما كتبوا.

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 19 _

             سقطت دمعتي 
في ذهول الليل 
في نكسة حزيران 
وخيبة أهل الحارة 
في هذا الحارس 

مغامرة كبرى 
أن نسدل الستار 
أن نمحو 
من ذاكرتنا وطنا
كان منارة 
ولفه الدمار 
مغامرة كبرى 
أن يصحو  
الحارس 
أن تعود الضجة 
والحياة 
لتلك المدارس 
مغامرة 
وسط الخوف 
وسط الدمار 
أن تقرع أجراس الكنائس 
مغامرة 
أن اهتدي وسط الظلام 
وسط أزيز الرصاص 
لألتقي 
جفنك الناعس 
سور حديقتنا 
مهدوم 
غرباء يحرسون  الحارة 
اريد المرور 
إلى بلدتي 
قف أعطني الإشارة 
تذكرت سر الليل 
حين كنت جنديا 
ويدي على الزناد 
رغم البرد القارس 
تذكرت حجاب 
وضعته امي بيدي 
وعلق ابي 
في زندي خرزة 
ضد الرصاص 
وقال ياولدي 
مادمت تحمي بلادك 
الله لك حارس 
وسقطت 
دمعتي في ذهول الليل 
في نكسة حزيران 
وخيبة 
أهل الحارة 
في هذا الحارس 

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 20 _

            فَيْرُوزَ وَالْحَسْنَاءِ

مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ
هٰذِهِ الْحَسْنَاءُ؟
وَكَيْفَ اسْتَطَاعَتْ بِعُنْفُوَانِهَا
أَنْ تَكْتَسِحَ النِّسَاءَ
كَالْمَلِكِ الْمَهْزُومِ
أَمَامَ عَرْشِهَا؟

أَيَّتُهَا اللَّحْسَاءُ، وَالْعَيْطَاءُ، وَالْعَيْنَاءُ،
أُعْلِنُ حَالَةَ الْإِنْذَارِ الْقُصْوَى؛
فَالْحُبُّ
أَصْبَحَ مَحْجُورًا
فِي زَمَنِ الْوَبَاءِ.

وَانْهَزَمَتْ جُيُوشُ الرُّومِ،
وَأَعْلَنَتْ
حَالَةَ الِاسْتِسْلَامِ
لِرَبِّ السَّمَاءِ.

حَسْنَاءُ فِي زَمَنِ الْكُورُونَا،
كَأَنَّهَا
لِكُلِّ دَاءٍ… دَوَاءٌ.

يَا لِعُذُوبَةِ صَوْتِهَا الْمَلَائِكِيِّ،
يَا صَوْتَ فَيْرُوزَ
مَعَ نَسَائِمِ دِجْلَةَ،
هُنَا
يَحْلُو الْغِنَاءُ،
وَإِنْ كَانَ كَثِيرُ الشَّوْقِ
بُكَاءً،
وَكَثِيرُ الْحَجْرِ الْعَاطِفِيِّ
عَنَاءً.

سَلَامٌ لِعَيْنَيْكِ
مَا دَامَ الشَّوْقُ فِيهِمَا
يُبْصِرُ،
وَلَا يَعْرِفُ انْتِهَاءً.
سَلَامٌ لِعَيْنَيْكِ
تَخْتَصِرَانِ كُلَّ الطُّرُقِ،
كَأَنَّهُمَا
رَأْسُ الرَّجَاءِ.

وَفِي زِحَامِ الْقَلَقِ:
«خَلِّيكِ فِي الْبَيْتِ»
اللّٰهُ يِخَلِّيكِ…
يَأْتِي صَوْتُ فَيْرُوزَ الْعَذْبُ،
وَيَتَسَاقَطُ النَّدَى
بَيْنَ الْوَتِينَ وَالْوَتَرِ،
وَمَا بَيْنَ:
«وَحْدَهُنَّ يَبْقَوْا مِثْلَ زَهْرِ الْبَيْلَسَانِ».

فَيْرُوزُ تُغَنِّي:
خَلِّيكِ فِي الْبَيْتِ،
كَأَنَّهَا رِسَالَةٌ
مِلْؤُهَا الرَّجَاءُ.

كُورُونَا
بَيْنَ فَيْرُوزَ
وَالْحَسْنَاءِ.

___-___-___-___-___-___-___

                  _ 21 _

                ليلى العطار
بغدادُ
تُفَتِّشُ عن ليلى،
وليلى
تحتَ الأنقاضِ
شهيدة.
كيفَ ستنعـاكِ القصائدُ،
وعيناكِ
أروعُ قصيدة؟
الصمتُ يقتلُ الكلام،
فأيُّ صمتٍ
يرضى
أن يقطعَ الرسّامُ وريدَه؟

ليلى،
من بعدِ عينيكِ
ماتَ الكلام،
والزمردُ والياقوتُ
لم تعُدْ لهما قيمة،
فنحنُ في بلادٍ
لا تعشقُ تغريدَ الحمام،
وتلوذُ بالصمتِ
أمامَ صوتِ هديلِه.

ونحنُ الذين
نتفاخرُ بالأنساب،
وقبيلةٌ
تغزو قبيلة،
وعينايَ معلّقتانِ
بتلكَ الأهداب،
بتلكَ الرموشِ الكحيلة.

ملكةٌ
تُوِّجتْ على عرشِ الجمال،
نديّةٌ كالعطر،
منعشةٌ
كحبّاتِ المطر،
كَرذاذِه
على نافذتي
في ليلةٍ شتوية 
كيفَ أنعاكِ؟
وهل يُنعى الجمال؟
كأنكِ قمرٌ،
وليلُ بغدادَ
ألبسَكِ أحلى جديلة.
يا جميلةَ الجميلات،
يا أيقونةَ بغداد

كيفَ قتلوكِ؟
وهل الغايةُ
تُبرِّرُ الوسيلة؟

___-___-___-___-___-___-___

                 _ 22_
      
             جلبابُ عليٍّ

تَذَكَّرْ:
أنَّ الدِّينَ
مُعامَلَةٌ قَبْلَ أنْ يَكونَ
عِبادَةً،

وتَذَكَّرْ: أنَّ جِلْبابَ عليٍّ
تَمَزَّقَ عَلى جَسَدِهِ،
ولَمْ تُغْرِهِ سُلْطَةٌ
أوْ قِيادَة،

لا تُحَدِّثْنِي
إنْ كُنْتَ زاهِدًا،
فَدَعْنِي أَرَ زُهْدَكَ
في المائِدَة،
دَعْنِي أَرَ زُهْدَكَ
في قُوتِ المَساكِينِ،
في قُوتِ الأراملِ والثَّكَالى
والأُمْنِيّاتِ الشّارِدَة،

لا تُحَدِّثْنِي
عن عليٍّ
وأَنْتَ تَلْبَسُ الدِّيباج،
عليٌّ ـ كرَّمَهُ اللهُ ـ
مُنْذُ الوِلادَة،
وعليٌّ مَلْجَأُ
كُلِّ يَتِيمٍ،
ولَهُ في الإسلامِ الرِّيادَة،

تَذَكَّرْ...
عليٌّ
كانَ يَقْتاتُ
كَسْرَةَ خُبْزٍ،
ولِفَرْطِ الوَجْدِ
تَفِيضُ جُفُونُهُ
دَمًا
كُلَّما قَبَّلَ الحُسَيْنَ
في نَحْرِهِ،
واسْتَذْكَرَ الشَّهَادَة،

ويَفِيضُ الفُرَاتُ
بَخِيلًا
بِمائِهِ،
لَمْ يَرْوِ الحُسَيْنَ
مَرَّة،
ما لِي أَرَى الفُرَاتَ
مُنْذُ الأَزَلِ
مَسْلُوبَ الإرادَة!

تَذَكَّرْ وأَنْتَ تَطُوفُ الكَعْبَة:
أنَّ عليًّا
كانَ يَطُوفُ بُيُوتَ الفُقَرَاءِ،
ولَعَمْرِي
تِلْكَ كانتْ
أَجْمَلَ عِبادَة.

___-___-___-___-___-___-___
____________________________

ديوان / (  قطار نكرة السلمان )
للشاعر /  جعفر يونس العقاد / العراق 🇮🇶
مقدمة وإشادة / الدكتورة عبير حسن التميمي
إدارة الشاعر / أسامة الدعمي
 جميع الحقوق محفوظة في
منتدى الشعراء والكتاب والمثقفين العرب
تاريخ الإصدار /  26/2/202‪6